مقالات
2010-02-26     
الدكتاتور في بنغازي الجريحة
 
في ذكرى المولد النبوي الشريف، سيحل على مدينة بنغازي الجريحة الدكتاتور المستبد ، الذي صنع الوهم ولون الأسطورة الكاذبة للفردوس الأرضي، وأحال البلاد من أدناها إلى أقصاها - وعلى امتداد أربعة عقود- إلى مستنقع كبير، تسيطر عليه وتتحكم فيه ديدان بشرية تعيش وتقتات على دماء الشعب الليبي، يأتي القذافي إلى بنغازي بدون أدنى حياء أو خجل وإحساس بوخز الضمير ويتظاهر أنه ينسى أو يتناسى كل آثار غدره وقتله وتعذيبه وسجونه ومعتقلاته، يصل معمر إلى بنغازي متوهماً أن تدميره وتخريبه وتشويهه للمدينة الشامخة، ومحاولة إذلال أهلها بشتى الطرق ومختلف الوسائل، قد سقط إلى الأبد من ذاكرة أهلها وأذهان سكانها، لكن الذاكرة الجماعية لأهل وسكان بنغازي لا يمكن اختزالها ولا تهميشها ولا محوها، وستبقى حية و حاضرة وشاهدة على الظلم والبغي إلى أن يزول . .
وفى أجواء هذه "الطلة " التعيسة تتحرك وتتقاطر الأجهزة الأمنية بمختلف تسمياتها سراً وعلانية إلى بنغازي، لكي تتحول المدينة إلى ثكنة عسكرية تحوطاً واستعداداً وخوفاً من هاجس يؤرقها ويؤرق "قائدها"، ويتم في نفس الوقت حشد عبيد "الانكشارية "الثورية" تحسباً للمجهول، وكذلك للشروع في أداء طقوس العبودية " لملك الملوك "، وفى نفس الوقت يجمع الرعايا والأتباع من عدة مدن ومناطق ليبية ليشكلوا "زمزامات العرس" المزيف! ، ويشهدوا على عقد الاستيلاء على السلطة، ويصاحب ذلك إحضار المريدين المتمسحين بالصوفية من طوائف المشعوذين والسحرة، ينقرون على دفوف النفاق لكي يضفوا على المشهد المسرحي مسحة دينية كاذبة وشيء من القدسيــة المزيفة !،وأخيرا يجلب العمال العرب والأفارقة وحتى الأجانب في موكب الزفة تحت رنين آلاف الدنانير التي لا تحصـــى ولا تعد!. .
ولكن يبقى الخوف من بنغازي دائم ومستمر؛ كيف لا.. و هي الهاجس الأمني الكبير لرأس السلطة المستبد، فقد أدرك هذه الحقيقة منذ أحداث الطلاب في السبعينيات وما تلاها من مشانق واعتقالات للمئات منهم، ثم تصفية كل قوى الرفض الطلابية والنقابية والمهنية، وأحداث الثمانينات والتسعينيات للتيارات الإسلامية، وما تلاها من المحاولات الفردية التي شكلت شوكة في حلق النظام وغصة وعقدة مستديمة للقذافي طوال سنوات حكمه الطويلة، لتبرز هذه الحقيقة من المقاومة والرفض مرة أخرى، في انتفاضة 17 فبراير، وها هو الرفض يتجذرمن جديد في أعماق الناس حتى لو كانوا قلة على عددهم، من خلال استمرار المظاهرات والاحتجاجات لأهالي وذوى ضحايا سجن ابوسليم دون توقف حتى يومنا هذا، وقد توج هذا الرفض بالموقف البطولي لسكان بنغازي في عيد الأضحى المبارك.
. الآن وقبل حضور معمر القذافي إلى بنغازي تجري المحاولات لتهدئة كل شئ يمكنه أن يعكر صفو " المناسبة " وحتى لا يبدو الدكتاتور أمام ضيوفه مرفوضا شعبيا، فالمجرم عبد الله السنوسي والجوقة التي معه الطيب الصافي و مفتاح بوكر وسعد الأصفر ومن هم على شاكلتهم ، يسعون إلى إيقاف مظاهرة أهالي وذوى ضحايا سجن ابوسليم ولو مؤقتا حتى تنتهي المناسبة ويغادر القذافي، فالضغوط والوعود والإغراءات لا تتوقف. وبسبب هذا الخوف، انصب الظلم بصورة لا مثيل لها على هذه المدينة وأهلها، ظلم طال كل شئ الحجر والبشر تجويعاً وإفقاراً وإهمالاً وحرماناً وإفسادا وتخريباً وتلويثاً للبيئة ، وتشتيتاً وتمزيقاً وتشريداً اجتماعياً وقبلياً، لكي تتحول المدينة الشامخة إلى قرية يسكنها قرابة مليون ونصف أو أكثر، تستجدى الخدمات ويقف أكثر من نصف شبابها عاطلا عن العمل، وتدار أمور سكانها بمركزية تبعد عنها أكثر من ألف كيلو متر إمعانا في التنكيل والحرمان، ولكن مع ذلك تقف المدينة الجريحة شامخة شموخ عمر المختار وهو في الأسر، وعزيزة كعزة (الفضيل أبوعمر) و (يوسف بو رحيل ) عند لقاء وجهه الكريم ، وابنائها قادرين على البذل والعطاء والتضحية ككل رجالات ليبيا الأحرار، في شرقها وغربها وجنوبها ماضياً وحاضراً ومستقبلاً . إما الجلاد الذي يرفض أن يغير من أفكاره العقيمة وسياساته السقيمة وممارساته البالية، فقد دأب على استعمال الكلمات والمفردات، على عكس ما تعارف عليه جميع البشر العقلاء من أفكار وأراء، ويتمسك بتلك الفرية حول فردوسه (المفقود)، التي أخذت تتحلل أطرافها المتعفنة وينفلت نسيجها البالي ويتمزق، ومع ذلك يفضل الدكتاتور ألا يفتح عينيه على الظلمة التي أوجدها ورعاها حتى عمت في جميع أنحاء البلاد. .
هذا الدكتاتور مازال يصر على أن الخطأ يكمن في الشعب الليبي، ولا يجد الشجاعة لكي يعترف بجرائمه التي لم تطمسها السنوات ولن تمحوها الأيام مهما طال الزمان، ولأن لا احد يملك آلية محاسبته فهو يدعي دائماً أنه البريء الذي يقتل أبناء شعبه ليخلق مبررات استمراره في السلطة ، وهو الأطرش الذي لا يستمع لأحد عندما ترتفع أصوات ضحاياه لتطالب بمحاسبته، أنه يراهن على صمت التاريخ على جرائمه، معتقدا أن أهل بنغازي ومعهم أهل ليبيا كلها قد دخلوا في غيبوبة سياسية لا رجوع عنها إلى الإرادة الوطنية.