| |
 |
مقالات |
|
| 2009-09-08 |
|
|
في جماهيرية الرشوة |
 |
"الأفاري ".
في جماهيرية الرشوة "العظمى ".
بقلم : محمد التاورغي .
الرشوة هي أن تدفع مبلغاً من المال نقداً أوعيناً لقاء تيسير أمرٍ أو معاملةٍ رسمية أو قانونية أو غير قانونية لدى موظف عام أو شخص ذو نفوذ في السلطة أو على صلة بها ، ويعتقد المرتشون أن الرشوة مفيدة للمجتمع المحيط بها، وأنها تؤدي دورها في حل لأزمة قائمة..
وهناك آليتان رئيسيتان من آليات الفساد أولهما: آلية دفع الرشوة والعمولة إلى الموظفين والمسئولين في السلطة، وفى مؤسسات القطاع العام والخاص لتسهيل عقد الصفقات وتدبير الأمور ، أما ثانيهما فهي : الرشوة المقنعة من خلال وضع اليد على المال العام، والحصول على مواقع متقدمة للأبناء والأصهار والأقارب وأولاد العمومة أو القبيلة ، سواء في الجهاز الحكومي الرسمي أو الوظيفي والمناصب السياسية، أو الأمنية أو العسكرية، أو الشركات المالية والمشروعات الاقتصادية ..
ففي "الجماهيرية العظمى" ، أصبحت الرشوة أو ما يعرف باسم "الأفاري " ، هي خاتم سليمان أو مصباح علاء الدين السحري أو العصا السحرية، التي تحقق المطلوب وتتخطى الحواجز وتفتح الأبواب الموصدة حتى بدون إبداء الأسباب. إن هذه الكلمة الأجنبية يعبر عنها عامة الليبيين للتدليل على طبيعة المعاملات المالية، والصفقات غير المشروعة السائدة في المجتمع، والتى تصبغ كل مناحي الحياة في الوطن المأزوم المكلوم ..
إن الرشوة بفضل القيادة " الحكيمة الرشيدة ! " لمعمر القذافى وأولاده والدائرين في فلكه وكل الزبانية العاملين معه ، صارت هي الوسيلة الأسرع والأكثر فاعلية لانجاز أي شئ، في كافة المرافق والدوائر الرسمية وغير الرسمية، حتى في المستشفيات والقطاعات الخدمية والتعليمية وفى المطارات والمنافذ البرية والبحرية، و في البنوك والمصارف ومعاملاتها، من تيسير في الحصول على القروض أوغيرها ، كذلك معاملات الحصول على مسكن، أو استخراج رخصة تجارية، أو جواز سفر، أو شهادة ميلاد أو كتيب عائلة في وقت أسرع، وكذلك في الحصول على نسخة لشهادة دراسية، أو حتى كشف درجات من مدرسة أو معهد أو جامعة في أحيان كثيرة ..
وهكذا لم يعد هناك أي مرفق أو جهة في "الجماهيرية العظمى" لا تتعامل بالرشوة، من أعلى مستوى في الدولة إلى أقل عامل فيها، بما في ذلك العاملين في الشرطة والأمن والقوات المسلحة !، فالرشوة "بالمفهوم الثوري" هى إكسير الحياة الجديد الذي لم يشر إليه "الكتاب الأخضر" في نصوصه، ولكنها على مستوى الممارسة الفعلية هي حقيقة واقعة موجودة في كل مكان وزمان على أرض الجماهيرية "العظمى"، ولا يملك المواطن العادي في ليبيا سوى التعامل مع الرشوة و التسليم بها كواقع، لأنه بدونها يموت كل شئ، ويصبح المواطن المسكين لاحول ولاقوة له في المجتمع الجماهيري "السعيد" ..
وفي الذكرى الأربعين للانقلاب، أصبحت الرشوة ظاهرة قائمة وواقعة، حيث سمح لها معمر القذافي بالعمل العلني الذي لايخضع لأي رقابة أو قيود أمنية أو ثورية، باعتبارها أحد أساسيات واصول التعامل في "مجتمع القذافي " و فردوسه الأرضي المزعوم" ..
إن الرشوة في "الجماهيرية العظمى" تزيد وتكبر وتتسع حسب المستويات، والنفوذ السلطوى و"الثورى" ومدى القرب من "القائد"، فهى تصل إلى عشرات الملايين في المستويات العليا، ثم تتدرج في الهبوط أقل فالأقل بعد ذلك، اعتماداً على القول : " أنت وشطارتك وفهلوتك وقدرتك، على التزلف والنفاق والتمسح بأعتاب النافدين والفاسدين من كل نوع وطبقة " ..
و الغريب فى الامر انه حتى الأمناء "الأطهار" الثوريون وغير الثوريون، هم مرتشون على نطاق واسع، و يأخذون كل أنواع الرشوة المالية، والعينية، وحتى البشرية المحرمة، ويستولون بغير حق على الملايين من ثروة الشعب الليبي المحروم، وبدلا من أن يقدموا خدماتهم للمواطنين يسرقونهم ويستولون على كل ما تطاله أيديهم، ولعل القاء نظرة بسيط على طريقة وكيفية ابرام العقود وارساء العطاءات البترولية والصناعية والتجارية وغيرها، التى تتعلق بالمال العام سواء من الجهات الاجنبية أو المحلية، يكشف حجم وضخامة الماسأة التى تعيشها ليبيا وشعبها، فى ظل هذه السلطة الفاسدة و المارقة ( أنظر الخبر الذي نشره موقع الجزيرة.نت عن محاكمة مسئولين ووزراء ليبيين بتهم الفساد والرشوة بتاريخ 15-11-2001 تحت عنوان : " أحكام بحق مسئولين ليبيين بتهم فساد " http://www.aljazeera.net/News/archive/archive?ArchiveId=19470
في الواقع ، لم يكن أحد يتصور في أي يوم من الأيام أن يصل الفساد، إلى الدرجة التي يتم فيها شراء الوظائف أو المراكز العامة بهذه الصورة المقيتة المفزعه، فوظائف كتلك التي تتعلق بالأموال العامة والحق العام كالجمارك على الحدود وفى الموانئ والمطارات، حيث تتم فيها الرشوة من خلال دفع مبلغ معين (كبير نسبيا)، للشخص المكلف بالوظيفة أو المركز في هذه الأماكن والجهات للتخلي عنها، من قبل شخص آخر يريد ان يصبح ثرياً فى اقصر مدة ممكنة، باستغلال وظيفته أو مركزه الذى اشتراه ، بل وصل الامر فى كثيرا من الاحيان الى حد تهديد من يرفض قبول الرشوة، فى العديد من المرافق والمؤسسات والدوائر والشركات الرسمية، اما بالطرد من العمل أو النقل الى اماكن وجهات اخرى، هذا ناهيك عن الرشاوى الكبرى التي يمارسها مسئولو الشركات النفطية والاقتصادية، والمسئولون في الشعبيات والوظائف السيادية والأجهزة العامة، حيال الشركات الأجنبية والمحلية، نظير ترسية عطاء أو إصدار أمر تكليف أو خدمة ..
لقد أدت هذه الوضعية إلى حالة من الاختلال العام في المجتمع، جسدته مظاهر التسيب والفوضى غير المسبوقة، في جميع أجهزة وقطاعات الدولة المختلفة، واستمرار انهيار الخدمات التي يفترض تقديمها للمواطنين وتدنيها إلى الحضيض، وعلى سبيل المثال فقد أدت بالنسبة للجمارك على كامل الحدود وفى جميع الموانئ والمطارات الليبية، الى كارثة حقيقة يدفع ثمنها الشعب الليبي من صحة وحياة ابنائه، بسبب التدفق الهائل للمخدرات والخمورالى درجة الفلتان، وكل انواع التجارة المنتهية الصلاحية و المحرمة والمغشوشة، وكذلك ما تسببت فيه الهجرة البشرية من كافة انحاء افريقيا، من ارتفاع نسبة الجريمة بمختلف انواعها من القتل الى السرقة، ومن الاغتصاب الى النهب بواسطة العنف، ومن انتشار الامراض الفتاكه الى تفشى الاوبئة العديدة، والتى لم تعرف البلاد مثيلا لها فى السابق . .
واذا بحثنا عن الاسباب والمبرارات لقبول الرشوة وتمريرها، لوجدنا ان الخلل الاساسى والجوهرى مصدره رأس السلطة، الذى خلق البيئة الفاسدة وسمح بها وحافظ عليها ونماها وتغاضى عن من يتعاملون بها، بما فى ذلك كل المحيطين به من اقارب واصهار واولاد عم واتباع وابواق، أذ ولدت الرشوة منذ البداية فى احضان السلطة الظالمة، لكى تستشرى فى كل جزء وركن من اركان "الدولة"، بل ان الرشوة بدأت باعتبارها الوسيلة الاكثر تأثيراً لمكافأة الموالين والمؤيدين لرأس السلطة، الذين تحصلوا أومنحوا كل الصلاحيات والادوات من قبله، لتحقيق طموحاتهم ورغباتهم الشخصية وتعويض عقدهم النفسية المتأصلة فيهم .
ان الطامة الكبرى التى تعيشها البلاد الان تكمن فى أن استمرارهذه الآفة، كوسيلة للتعامل ونمط واسلوب للحياة ، ينذر بمستقبل لن يكون مشرقا ولا واعدا ولا خيّرًا
|
|
|
|